8/02/2010

No Comment

كاد موسم الصيف السينمائي أن ينتهي دون أن يروي عطش المشاهدين ولو بفيلم واحد مثير للبهجة والمرح الحقيقي،‮ ‬وأخيرا جاء فيلم‮ (‬لا تراجع ولا استسلام‮) ‬ليعوض الجمهور عن هذا الجفاف الكوميدي والتراجع الحلمي نسبة لأحمد حلمي في عسله الأسود المر،‮ ‬والانهيار للمبي نسبة لمحمد سعد في شريطه‮ »‬المهنج‮« ‬المكتظ بنكت ومواقف قديمة باسم‮ (‬اللمبي ‮٨ ‬جيجا‮). ‬ولكن في الحقيقة ان فيلمي أحمد مكي السابقين‮ (‬اتش دبور‮) ‬و(طير انت‮) ‬للمخرج أحمد الجندي كانا يعدان بأكثر من الضحك‮. ‬ويحمل كل منهما رسالة نبيلة مغلفة بأسلوب كوميدي شيق وفي اطار درامي محكم،‮ ‬فهل جاء‮ (‬لا تراجع ولا استسلام‮) ‬لأحمد الجندي أيضا خطوة فنية متقدمة للنجم،‮ ‬أم حقق تراجعا واستسلاما لشروط السوق؟
في البداية يعد‮ (‬لا تراجع ولا استسلام‮) ‬أحد أفلامنا النادرة الذي يلعب فيه شريط الدعاية دورا حقيقيا في تهيئة المشاهد لأجواء العمل وتعريفه بأسلوبيته‮. ‬فقد أمكن للجميع أن يعرف من خلاله أن النجم أحمد مكي يلعب شخصيتين احدهما مجرم والآخر ساذج سينتحل شخصيته‮ ‬للايقاع بعصابته‮. ‬وعلاوة علي هذا فهو يوضح أن الفيلم ينتسب الي نوع البارودي أو السخرة من الأفلام البوليسية والجاسوسية المصرية،‮ ‬لهذا فمعرفة الخطوط العريضة للحكاية لن تفسد متعة المشاهدة التي من المفترض أن تتحقق عبر المواقف والتفاصيل الكوميدية‮. ‬وفي الحقيقة‮ ‬أن التفاصيل الكوميدية في الفيلم لا تعد وسيلة الايفيهات لا يتوقف‮. ‬وهي مسألة تحسب بلاشك لكاتب السيناريو الجديد شريف نجيب‮. ‬كما يحسب له أيضا تمكنه من الامساك بخيوط الحكاية وقدرته علي سردها ببساطة‮.‬
ولكن علي الجانب الآخر يفتقد السيناريو لعناصر الاثارة والترقب والمفاجأة‮. ‬وهي في الحقيقة تعد من أساسيات هذا النوع من الأفلام‮. ‬وربما يعتقد صناع الفيلم أنه يكفي السخرية من الأفلام القديمة بما تتضمنه من أحداث ملفقة بعيدة عن المنطق‮. ‬وهو اعتقاد‮ ‬غير صحيح لأن هذا النوع من الأفلام يواجه تحديا حقيقيا في أن يحقق‮ ‬رغم أسلوبه الكوميدي ابهارا أكثر ومفاجآت تتفوق علي ما تحققه الأفلام‮ ‬التي يسخر منها‮. ‬ولكن في‮ (‬لا تراجع ولا استسلام‮) ‬تكاد تختفي تماما أي عناصر جذب أو طرافة في الحكاية‮. ‬بل انك لا تكاد تشعر بخطورة العصابة إلا من خلال المشهد الأولي والمعركة الدموية العنيفة‮. ‬وهو بالمناسبة مدخل خاطيء للفيلم ولا يتناسب مع أسلوبه‮. ‬وهي مسألة أساسية‮ ‬غابت عن صناع هذا الفيلم،‮ ‬مع أن مخرجنا نيازي مصطفي وكاتبنا عبدالحي أديب كانا علي وعي تام بهذه القاعدة من أكثر من أربعين سنة‮. ‬فلم تخل مشاهدهما الأولي في فيلم‮ (‬أخطر رجل في العالم‮) ‬من ملامح مبالغة لادخال المشاهد الي أجواء الفيلم الساخرة‮.‬
وفي هذا النوع من الأفلام فإن التزام الكوميديا بأسلوبية البارودي هو الذي يحقق وحدة للفيلم واتساقا في بنائه العام‮. ‬وهي مسألة لم يخلص لها السيناريو إلا في فكرته المنجردة وفي بضعة ملامح متفرقة منها ادمان البطل لأفلام الجريمة التي حد رؤيته في الحلم للفنان‮ ‬غسان مطر كرمز لنمطية الشر في هذه الأفلام‮. ‬ولكن الفيلم يخرج‮ ‬كثيرا عن هذا الاطار في أحداثه أو بناء شخصيته مثل الشخصية التي لعبتها دنيا سمير‮ ‬غانم والتي كان من الممكن جدا أن تكون تنوعا‮ ‬علي نمطية شخصيات البطلات في هذا النوع من الأفلام،‮ ‬أو ماجد الكدواني الذي لم تحمل شخصيته سوي ملامح محدودة للضباط التقليدي في الأعمال البوليسية‮. ‬بل أن بدرية طلبة التي أضحكتني جدا في مشاهد المترجمة الجاهلة الفاشلة المتعجرفة لم يكن لها علاقة بأي شخصية سينمائية بل انها تقليد لمترجمي المدربين الرياضيين وليس لنمط سينمائي شائع‮. ‬وكذلك شخصية عفريت النينجا الذي لا يموت ويظهر بشكل مفاجيء فهو مستعار من السينما الصينية وأفلام الفهد القرمزي وليس من تراثنا المصري‮. ‬علاوة علي هذا فإن الفيلم لم يسع علي الاطلاق الي السخرية من طريقة توظيف هذه النوعية لمختلف عناصر الفيلم من تصوير ومونتاج وموسيقي تصويرية وغيرهم‮. ‬وهو ما كان بإمكانه أن يصنع كوميديا سينمائية من الطراز الأول بدلا من الاعتماد الكامل علي كوميديا جاءت مشاهد مطاردة النهاية،‮ ‬التي لا يمكن اعتبار رداءة تنفيذها دافعا للسخرية من فقرنا في هذا المجال،‮ ‬لأنها ببساطة فكرة‮ ‬غير واردة الا في ذهن صناع الفيلم‮. ‬ولكن هنا بالتحديد يمكن الفرق بين الفيلم الكوميدي وبين نمر الضحك وبرامج السيت كوم‮. ‬ففي الكوميديا السينمائية من المفترض أن كل تفصيلة تعمل في خدمة اطار وبناء عام ورؤيا وأسلوبية يحققها المخرج للوصول لهدفه الذي صنع العمل من أجله وليس لمجرد اثارة الضحك‮. ‬وهنا بالتحديد يكمن تراجع الفيلم واستسلامه لشروط السوق‮. ‬وهو بالتأكيد سيكفل للفيلم نجاحا في عرضه الأول ولكنه بالتأكيد لن يحقق له الاستمرار والصمود في ذاكرتنا السينمائية‮. ‬كما أن السير في هذا الاتجاه كفيل بهبوط‮ ‬أسهم النجم علي المدي البعيد كمن سبقوه واختاروا الافيه سبيلهم والكاراكتر‮ ‬غايتهم‮. ‬وان كان ليس بامكاني أن أنهي مقالي هذا دون أن أسجل اعجابي بكاراكتر حزلقوم الذي أبدع فيه أحمد مكي ونحت ملامحه بتفاصيلها الجميلة في سذاجته وخبثه وجبنه وتهوره واعتداده الشديد بذاته رغم كل ما يعيشه من فقر ومهانة وخيبة قوية‮. ‬وحزلقوم وأمثاله كثيرون يستحقون الرسالة التي يقدمها الفيلم بأن يتشبثوا بأي فرصة عمل شريفة مهما كانت صعوبتها،‮ ‬فهي أفضل بكثير من الاستسلام لأحلام وردية مستحيلة‮ ‬تلقي بهم علي أحسن الفروض الي جمصة بدلا من شواطيء أوروبا‮.‬
 
Toggle Footer