8/04/2010

No Comment
- - قال محمد بن إسحاق:
كان صاحبي يسار قد نشأ في طاعة الله ، ، حتى عرف بين أقرانه بالراهب ، وسمَّاه بعضهم : (( حمامة المسجد )).
وكان كثير الصمت ، قليل الكلام ، ولكن حديثه ينفذ إلى القلب ، يسحر السامع ويأخذ بلبه ، ويستولي عليه .
ولقد علمت بتفاصيل القصة بعد حين وسأذكرها كلها من البداية إلى النهاية ، وهي والحق يقال ، لو اطَّلع عليها البشر ، لكانت عبرة لمن اعتبر


وبداية القصة ،... أنه كان في بغداد فتاة تركية يتيمة اسمها حسناء امتهنت الغناء بعد وفاة والدها وكان يُعقد في بيتها مساء الثلاثاء من كل أسبوع ، مجلس للطرب والغناء ، وكان يحضره شباب من القوم ، منهم حكيم بن محمود ، وحسَّان بن معيقيب ، وحبيب بن مسعود ، وغيرهم وقد تأخر ذات يوم عن الحضور في الوقت المعين سعيد بن منصور , وعندما حضر بادره الجميع بقولهم : أين كنت ؟
فأجابهم وهو يتخفف من بعض ملابسه ، وعلامات التأثر بادية على وجهه : التقيت هذه الليلة بيسار ..
وسرت في نفوس القوم هزَّة خفية ، وساد المكان سكونٌ شامل ونظرت حسناء بعينيها اللوزيتين ، وقاربت ما بين حاجبيها ، وسألت : ومن يسار هذا ؟
فأجابها حبيب بن مسعود ، وكان على صلة قديمة بيسار : أنا أعرف القوم بحاله , وأخذ يحدثها بكل ما يعرف عنه ,عن عبادته وتواضعه وحسنه وأخلاقه وعذوبة منطقه .
وتنهَّد حسَّان بن معيقيب وقال : ذلك الرجل عرف الطريق إلى ربه ..
فأنصتت حسناء بكل اهتمام ، وأخذت بما سمعت ، وعزمت في قرارة نفسها على أن تحظى به ..
ومالت حسناء برأسها ، وسألت حبيب بن مسعود : هل هو متزوج ؟
واستطاع حكيم ، أن يدرك ما يدور في خلد حسناء ، فقال وهو يضحك : لا سبيل لك إلى يسار .
فالتفتت إليه متحدِّية وقالت : سوف ترى .. ورفعت حسناء يدها ، تتحسَّس القرط اللؤلئي الذي يزين أذنها ، ثم نادت الخادم ، فأقبل ، وقد أحضر لها رقعة ، كتبت عليها شيئًا وطوتها بعناية فائقة ، ولفَّتها في منديلها المعطَّر ، ثم التفتت إلى سعيد بن منصور وقالت : أين نجد يسارًا في هذه الساعة ؟
فأجابها وهو يشير بيده : رأيته متجهًا إلى بيت القاضي بعد صلاة العشاء .
وقبل أن يخرج الخادم صاح حبيب بن مسعود منفعلاً ، وأخذ يردد : إن دون الوصول إلى اليسار سبعة أبواب عليها سبعة أقفال من حديد .
وما هي إلا ساعة ، حتى عاد عربيد بوجهٍ بغير الوجه الذي ذهب به ، وناولها المنديل دون أن يتفوَّه بكلمة . فأخرجت الرقعة ، وألقت عليها نظرة خاطفة ، ثم قفزت بثوبها الأبيض الفضفاض ، وشعرها الكستنائي الطويل الناعم وهي تحمل الرقعة بيدها اليمنى وتقول : هذا هو القفل الأول قد انفتح .
وعلت الدهشة وجه حبيب ، ولم يصدق سعيد بن منصور أذنيه ، وبقي حسَّان ينظر إليها دون أن ينطق ، أما حكيم ، فقد أخذ يصفق ويصيح , أما حسناء ، فقد استمرت كالفراشة الجميلة تدور في المكان ، وهي تحمل الرقعة بيدها وتقول : هذا هو القفل الأول قد انفتح .. انظروا .. وألقت الرقعة على المنضدة ، فتسابقت الأيدي للحصول عليها والاطِّلاع على ما فيها .. فكان حكيم أسرع القوم إليها ، فخطفها وأخذ يلوح بها وهو يضحك وينظر إلى حبيب بن مسعود ويقول :
-هذا هو صاحبك قد وقع , وقبل أن يقرأها ، وبخفة متناهية أدهشت الجميع ، خطفتها حسناء من يده ، وجذبت عربيدًا وذهبت إلى غرفة مجاورة . واستحثت حسناء الخادم وهي تقول :
-أخبرني يا عربيد .. أخبرني بكل ما رأيت , وكانت حسناء متلهِّفة لسماع حديثه ، فهزِّته قائلة :
- ماذا دهاك يا عربيد .. تكلم ؟
فأجاب بصوت هادئ عميق النبرات : يا سيدتي .. إن الوصول إلى القمر ، لأهون ألف مرة من الوصول إلى يسار ..
فأطرقت حسناء ، وتغير لونها ، وقالت بصوت هادئ خافت ودود : حدثني يا عربيد .. أخبرني بكل شيء .. بكل ما رأيت وسمعت . قال ، وقد انقاد إلى لهجتها : رأيت نازك الرومي ، خادم القاضي ، يهم بدخول الدار ، فاستوقفته ، وأخبرته بأني أريد أن أقابل يسارًا على انفراد . فأخذ بيدي إلى غرفة قريبة من الديوان .. وانتظرت حتى أقبل يسار . متوسط القامة ، أزهر اللون ، تجلله المهابة ، ويعلوه الوقار ،.. لقد تمنَّيت من كل قلبي لوعُدت أدراجي ، ولم أفاتحه .. وسكت عربيد ، وكأنه يريد أن يستحضر كل لحظة عاشها مع يسار .. واهتزت ذبالة القنديل على نسمة باردة ، تسللت من شق الباب .. وتحرك ظل حسناء على الجدار... كانت حسناء تصغي إليه باهتمام ، وقد سحرها بوصفه ، وملك عليها مشاعرها ومضت تستحثه : وماذا بعد .. تكلم يا عربيد .. ! ! !
قال : بدأني بالسلام .. ثم قال : ما اسمك ؟ قلت : عربيد .
فلم يعجبه هذا الاسم ، ونظر إليَّ ساعة ثم قال : بل أنت مريد .. أتدري من هو مريد ؟ ولما لم أجب ، مضى يقول : المريد هو صاحب الإرادة القوية المريد هو الذي يريد الوصول إلى الله ، بقلب سليم . اتق الله يا مريد واجتنب المعاصي .
وعاد عربيد إلى السكوت .. ولم يدر ما كان يعتمل في صدر حسناء التي استبدَّ بها الشوق إلى معرفة المزيد عن يسار حتى نَسِيَت نفسها ، ونَسِيَت الضيوف الذين كانوا ينتظرون عودتها ..وهزَّته حسناء . وقالت بصبرٍ نافد :
- تكلم . تكلم يا عربيد .. لا تسكت .
فنظر إليها وقال : مددت يدي بالرقعة ، بتردد ، وتخاذل ، وخجل .. فتناولها ، وألقى عليها نظرة .. فتغيَّر لونه ولكني أسرعت أقول له ، قبل أن أسمع منه ما يؤلمني : إنها تريد أن تتحدث إليك بمشكلتها يا سيدي .. إنها لا تريد أن يطَّلِع عليها غيرك .
فرفع رأسه ، وقد سُرِّيَ عنه بعض ما به وقال : لتكتب مشكلتها . ثم وقَّع بكلمة واحدة : اكتبيها . ألقى الرقعة ، وعاد من حيث أتى .
فصفقت حسناء بيدها ، ودارت حول نفسها طربًا وهي تقول : لقد وقع الطائر في الفخ .
فهزَّ عربيد رأسه وقال : ألم يقل لك حبيب بن مسعود ، إن دون الوصول إلى يسار سبعة أبواب عليها سبعة أقفال من حديد ؟!
فقهقهت حسناء ولقد لمع في فمها صفان مثل الحب الجمان ، ودفعت الخادم في صدره وهي تقول : إنني أملك المفتاح الأستاذ الذي تتساقط أمامه جميع الأقفال ..ثم أشارت بيدها إلى صدرها وقالت : أنا ..
- سأدعوك من هذه الساعة .. ( مُريد ) .
- واستمر القوم في حديثٍ وضحك وانشراح حتى أصبح الصباح ، وارتفع صوت المؤذن من المسجد القريب يدعو .. حي على الفلاح
- فتنهَّد حبيب بن مسعود وقال : هذه ليلة من عمرنا خسرناها .
- وخرج القوم فردًا فردًا ، وكان خروجهم بعد صلاة الفجر بقليل ، وسلك كل منهم طريقًا غير الذي سلكه صاحبه .
- قال محمد بن إسحاق : خرج يسار من بيته الذي يحاذي النهر لأداء صلاة الفجر
- وبعد صلاة الفجر جلس الشيخ يتحدث .. عن يوسف الصديق ، الفتى الذي ضرب مثلاً أعلى في الصبر عن المرأة المغرمة العاشقة الوَلْهى . وأخذ يصف ثباته وعِفَّته ، وخشيته لله ، ومراقبته له ، وتعبُّده وتصوُّنه ..
- كان يتكلم بأسلوب القرآن الواضح البليغ ، وبعرضه التصويري البديع . .. وكل مستمع له يشعر أنه يوسف نفسه .
- كان يسار يتردد بين حين وآخر على سوق العطَّارين ، وإلى هذا السوق تُجلب أجود أنواع العطور في الدنيا ، ويؤمَّه الرجال والنساء من شتى الأجناس . ولا شيء يستهوي النساء ، وخاصة الأعجميات ، كهذا السوق .. وهو أول ما يستهوي الوفود القادمة من بلاد الروم والترك وفارس والهند ، ومن بلاد الحبشة .. وبلاد أخرى بعيدة لم نسمع بها ..
- وسوق العطَّارين .. يمتاز بالأناقة والنظافة والجمال ، فيه الدكاكين الصغيرة المتناسقة ، التي زينت واجهاتها وعني بمظهرها .. والمصابيح الملونة ، وقوارير العطر ، وشدات الورد .
- وكان يسار يتردد على دكان العطَّار أبي علي الأصفهاني ، ومنه يشتري العطر الذي يستعمله .. وهو يقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب الطيب .
- وبعد مضي أسبوعين على محاولة حسناء ، وفي عصر الأربعاء من نهار مشمس جميل ، أقبل يسار على أبي علي الأصفهاني ، وكان هذا قصيرًا سمينًا ، قد أعفى لحيته وخضبها ، وكان لا يكف عن الحديث عن العطور التي يبيعها وأنواعها وجودتها ..
- وما هي إلا هَنَيْهة ، حتى أقبلت حسناء ، والخادم مريد يسير إلى جانبها ووقفت على دكان أبي علي العطَّار ، وراحت تسأله عما لديه من العطور ، دون أن تلتفت إلى يسار .. أما مريد فإنه ألقى التحية عليه ، ووقف ينتظر .
- واحتفل العطَّار بها ، وأخذ يعرض عليها نماذج كثيرة ، وهي ترفضها بإشارة من يدها ، ولم يبد على يسار أي اهتمام بحسناء ، ولكنه انتبه بعد ذلك عندما سمع العطَّار يقول وهو يعرض عليها نوعًا من العطر : إنه أجود أنواع العطور يا سيدتي ، إن يسارًا يستعمله .
- أليس كذلك يا سيدي ؟ ولم يجب يسار ، ولم يرفع إليها نظره .
- أما حسناء ، فقد التفتت إليه ، وألقت عليه نظرة سريعة ، ثم عادت تخاطب العطَّار ، وقد غيرت من أسلوبها وحركاتها وقالت : لقد ذكرت لي مرة أن لديك نوعًا من العطر الصيني ..
- فهزَّ العطار رأسه وقال بأسف : لقد نفذ يا سيدي .. لم يبق منه شيء .. أتدرين يا سيدتي .. إنه يستخرج من زهرة تنبت على الهضاب الزرقاء في بلاد الصين ، .. إنها .. وانتبه العطَّار .. إن حسناء لم تكن تنظر إليه ، ولا تستمع لحديثه ، كانت تنظر خِلْسة إلى يسار .. إلى الفتى الذي ضاق بحديث العطار ، والذي سمعه منه مرات ومرات .. هذا هو الفتى الذي حدَّثها عنه حبيب بن مسعود ، إنه لم يتجاوز في وصفه ، بل لم يبلغ في وصفه ..
- وتنحنح العطَّار وهو يرفع يده يعدل عمامته .. وقال : انتظري لحظه .. ثم خرج من دكانه وهو يقول : سأجلبه لك من جاري.
- وهمَّ يسار بالانصراف ، فلم يكن يرغب في البقاء طويلاً في مثل هذا السوق ، ولم يكن يلبث إلا بمقدار ما يتناول حاجته من العطر ثم يعود سريعًا ..
- فالتفتت إليه حسناء وقالت بصوت ناعم : إنني متأسفة يا سيدي .
- والتفت إليها ، ولم يكن قد وقع عليها نظره حتى هذه الساعة ، فلما التقت العينان ، أسبلت جفونها في خفر العذارى ، وقالت بصوت هامس : إنني متأسفة يا سيدي .. لم أستطع أن أكتب مشكلتي .. ليتك تسمعها . فغض بصره ، وقد تذكر الرقعة التي حملها إليه مريد ، وقال : تكلَّمي .
- قالت .. وبصوت كأنين الوتر الحزين : الآن يا سيدي ؟
- قال ، ودون أن يلتفت إليها ، أو يرفع نظره مرة أخرى : نعم .
- قالت .. وهي تحاول أن تجره للحديث : هنا في السوق ؟
- قال : نعم .
- وعاد العطَّار وهو يمسح جبينه من العرق ، وقال معتذرًا :
- - لم يبق لديه شيء يا سيدتي .
- وتنهَّدت حسناء وقالت : سأعود مرة أخرى .
- ثم انصرف بعد أن ألقت على يسار نظرة ، جعلته يطرق خجلاً .
- وعندما عاد تلك الليلة ، بعد صلاة العشاء ، خيل إليه كأنه يسمع همسة ، أو لحنًا ، أو صوتًا أليفًا ..! وبعد أن استلقى على فراشه ، تذكر أين سمع ذلك الهمس ، أو اللحن .. سمعه عصر اليوم ، عند دكان العطَّار ، سمعه من حسناء التي ذكرت أن لديها مشكلة تريد أن تعرضها عليه . .. واستحضر صورتها الجميلة وهي تدخل ، وصورتها وهي تنظر إليه.. إنه لم ير في حياته فتاة في مثل جمالها ، بروعتها ، بفتنتها .. لقد وقفت على دكان أبي على الأصفهاني ، وكلمته ، يا لعذوبة صوتها وروعة نغمتها ..
- وأسرع يسار فصرف هذه الخواطر ، وشعر أنها دخيلة عليه ، تذكر حديث الشيخ ، ويوسف الصديق ، وخيَّل إليه كأنه يسمع الشيخ يحذره. وتدحرجت دمعة كبيرة على خده ، وتبعتها دموع ، حتى بلَّلت الوسادة ، ثم راح في نوم هادئ عميق .
- كان من عادة يسار عندما يعود إلى البيت بعد صلاة الفجر والاستماع إلى حديث الشيخ ، أن يقضي فترة مـن الوقـت في قراءة جـزء كامـل من القرآن الكريم ، ثم عددٍ من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبعدها يأخذ قسطًا من الراحة بانتظار طعام الفطور ، حتى إذا حان موعده ، تناول فطوره مع أمه ، التي تبدو موفورة النشاط ، ضاحكة متفائلة ، لا تكل عن الحركة .. وأخته الصغيرة سناء ، التي يحاكي وجهها استدارة البدر ..
-أما أبوه فكان يخرج من البيت قبل أن يعود يسار من المسجد ثم يتبعه يسار بعد تناول الفطور ، فيساعده في عقد الصفقات ومراجعة الحسابات ومتابعة الديون .
- وعندما ارتفعت الشمس في ذلك الصباح الدافئ ، خرج يسار في طريقه إلى السوق ، ولمَّا سار في بعض الطرق ، وقعت عيناه عليها .. التقى بها وجهًا لوجه .. كانت تسير إلى جانب خادمها مريد ، وكانت تبدو عليها الحشمة والوقار ، فلم تلتفت يمينًا أو شمالاً ، ولكنها عندما رأته ألقت عليه نظرة غريبة ، لم يستطع يسار تفسيرها ، فيها الجرأة والحزن والحياء ، وما لم يعرفه من معان أخر .
- وأبعدها عن خاطره ، وخاصة عندما احتواه السوق ، وانشغل مع أبيه في أمور التجارة .
- ودهش عندما صادفها في اليوم الثاني أيضًا .. دهش يسار عندما سمع صوتًا كتغريد البلابل . فالتفت .. فإذا .. هي .. هي .. حسناء .. بكل ما فيها من فتنة وجاذبية وسحر أخَّاذ .. وذهبت بعد أن مسَّت قلبه بكسرة من عينها اليسرى .. فغضَّ بصره في الحال ، وراح يستغفر الله في سرِّه .. ثم مضى في طريقه .
- وأخذ في اليوم الثالث يستعجل أمه في إعداد الفطور ، وفي كل مرة يخرج إلى ساحة الدار ينظر إلى الشمس .. أين وصلت ! وانتبه إلى صوت أخته الصغيرة التي كانت تركض وسألته وهي تركض دون أن تنتظر الجواب : هل لديك موعد مع أحد ؟
- وشعر كأن الصغيرة أيقظته ، فأخذ يلوم نفسه ، ويستغفر الله في سره ، ويحاول أن ينفض ما علق بقلبه من غبار ..
- وتعمَّد يسار أن يتأخر أكثر من أي يوم .. ولاحظت أمه أنه بينما كان يحثها على إعداد الفطور بسرعة ، إذا به يسكت فيتركها تعده على مهل .
- كانت البيوت تقف على جانبي الطريق متصلة ببعضها ، إلا فتحات قليلة تؤدي إلى النهر ومضى يسار في الطريق ، وكان مرتاح القلب مسرورًا ؛ لأنه انتبه إلى نفسه ، فعالجها وغسل قلبه من صورة حسناء وصوتها و.. وكان معظم المارة يسلِّمون عليه ، ويسلِّم عليهم ، والتقى في طريقه بالعم عثمان .. وكان هذا شيخًا تجاوز المائة من العمر ، قضى ما يزيد على الثمانين من عمره يعمل في البحر .. تاجرًا وبحارًا وربانًا .. حتى لقب بحق ، بأبي البحر .
- وقف العم عثمان يسأل يسارًا عن حاله وعن والده ووالدته وعن أخته الصغيرة .. ثم مضى يحدثه دون مقدمات عن إحدى رحلاته إلى بلاد الصين ، وبينما كان يسار في انسجام تام مع العم عثمان ، وهو يستمع إلى قصته إذ سمع صوتًا كاللحن الشارد يقول : إنه لا يريدنا .. والتفت بحركة لا إرادية سريعة .. ورآها ، في ابتسامة مليحة ووجه متورِّد وعينين فيهما الكثير من العتاب .. ثم حوَّلت نظرها إلى الخادم بعد أن ألقت بشواظها على قلب الفتى يسار ..
- ما الذي جاء بها في هذه الساعة ؟ ألم يتأخر في الخروج من البيت حتى ارتفعت الشمس .. هل تأخرت هي أيضًا .. كيف حدث هذا ؟
- ومضى ذلك اليوم ، وعندما عاد يسار في المساء ، وبلغ المكان الذي كان يتحدث به مع العم عثمان ، تذكر تلك القصة ، وتذكر حسناء .. فخفق قلبه .. وتلفت حوله .. وشعر كأنه يسمع صوتها العذب يردد بدلال وإغراء : إنه لا يريدنا .. وتطلع إلى النهر الذي خيَّم عليه الظلام ، وكانت الريح ساكنة .. وبقي واقفًا لحظات تهجم عليه خواطر شتى .. كيف هجمت هذه الفتاة على قلبه ؟! كيف تسلَّلت إليه ؟ لقد أصاب قلبه ما كدَّر صفاءه ، لقد تلوث قلبه .. إنه لم يعد ذلك الفتى الطاهر النقي الثوب .. إن قلب العابد يجب أن يخلو من الصور .. لا يدع فيه مكانًا لمثل هذه الفتاة .. كيف سمح لها أن تلوث بساط قلبه بأقدامها ؟! كيف سمح لها .. إنه لولاه لما طمعت فيه .. ولكن لا .. سيذهب غدًا .. وسيحدث الشيخ بكل ما حدث ، فعنده الدواء .. ولم لا يحدثه ؟
- إنه لا يفضي لأبيه .. ولا لأي إنسان قريب بما يفضي به للشيخ ، إنه يشعر بأن الشيخ منه بمنزلة الأب والأخ الكبير والصديق .. بل أكثر من ذلك كله .. إنه المربي ..
- مع الخيط الأول من الفجر ، استيقظ يسار على صوت المؤذن ، وكان صوته نديًا ، رقيقًا ، فيه الهدوء والسكينة والجلال .. وظل يستمع إليه بكل حواسه ، دون أن يغادر فراشه ، وشعر لكلمات الأذان بمعان جديدة قوية مؤثرة .. فالصلاة دائمًا مقرونة بالفلاح .. فكيف يفلح من لا يصلي ؟!
- حتى إذا انتهى الأذان ، انتفض قائمًا ، وأسرع فتوضأ ، ثم ارتدى ملابسه وغادر البيت ..
- وبعد صلاة الفجر ، تحلَّق المصلون حول الشيخ يستمعون إلى حديثه .
- كانت كلمات الشيخ تسطع في النفس كما تسطع النجوم في السماء ، وتتصل بالروح تمد لها بسبب إلى التقوى ، وهي بعد ذلك أشبه بالماء الزلال عصرته العيون ، فخرج خالصًا سائغًا شرابه ، يرف بندى الحياة ..
- وضرب مثلاً للسائرين إلى الله ، كجماعة أرادوا الصعود إلى جبل ، فمنهم من تخلَّف من أول الطريق ، وقد هاله ارتفاع الجبل ، فانهارت عزيمته . ومنهم من أدركه التعب وهو لم يبلغ ربع المسافة . ومنهم من وصل إلى نصفه ، لكنه عثر فتدحرج .. فقد يقوم هذا المتدحرج ليعاود تسلق الجبل .. وقد تقعد به الهمة فيبقى في مكانه الذي انتهى إليه , والسعيد السعيد من استطاع أن يبلغ القمة .
- كان الشيخ يتحدث والجماعة المحيطة به تصغي إليه إصغاء تامًا وقد أخذ بعضهم يكتب على لوح أحضره معه ، حديث الشيخ لكي لا ينساه .. وكان بعضهم يتنهد بحرارة وهو يقارن حاله بما يسمع .
- وتنهد يسار وهو يتصور حاله .. إنه لا يدري أي مسافة قطع فاعترضته هذه الفتاة .. وسدت عليه الطريق ، فهو يعمل جاهدًا على تنحيتها عن طريقه ، والسير إلى الأمام .. !!
- ولم يشعر إلا والجماعة ينهضون ، لقد انتهى الشيخ من حديثه اليوم ، فأين كان سارحًا وشدَّ الشيخ على يد يسار .. وغض هذا بصره تحاميًا لعيني الشيخ .. وخشي أن يقرأ الشيخ ما فيه نفسه .. ولم يحدث الشيخ يما يريد .
- وعاد إلى البيت وهو ينقل الخطوات بتثاقل ، وكان الجو باردًا والرياح بدأت تشتد ، وبرزت طلائع سحب في السماء ، وقد تكشَّفت الدنيا ، وزال الظلام .. وأخذت الريح تضرب بعض أوراق الأشجار اليابسة المتساقطة على الأرض فتسوقها أمامها ..
- ولم يلتفت إلى النهر الهائج ، ولا إلى صف البيوت على الجانبين ، ولا إلى الذين يغادرون بيوتهم طلبًا للرزق ..
- لم يلتفت إلى هذا كله .. لقد كان يلوم نفسه .. يؤنبها .. وشعر يسار بالدموع تنزل على خديه .. ألا يستطيع أن يقف في وجه الفتاة ؟ وصل إلى البيت .. ولم ينتبه يسار عندما كان جالسًا على مائدة الفطور ، لم ينتبه إلى أخته سناء التي كانت تنظر إليه كعصفورة وجلة .. إلى شروده وسهومه .. لم ينتبه إليها وهي تقول : هل أنت مريض ؟
- فحوَّل وجهه وهو يغالب ابتسامة حزينة وقال : لا .. ولمَّا ألحت عليه .. قال وقد ضاق بإلحاحها : نعم .. قلبي .
- فنهضت.. وقالت : سآتيك بالدواء الذي تستعمله أمي .. وأمسكها من يدها وهو يقول : إنه فقط.. أصابه بعض الغبار . وترك يدها ومد يده إلى طعام الإفطاروهو يقول : بسم الله ...
- لم يكن أمام يسار إلا أن يغير طريق ذهابه إلى محل أبيه ، لكي يتجنب رؤية حسناء ، سيسلك طريقا آخر ، وإن كان طويلاً ، ولم يتعود على سلوكه من قبل .
- ومضى يسار ، وحمد الله على السلامة ، فقد مر اليوم الأول والثاني والثالث دون أن يراها . ولكن صورتها لم تغادر خياله .. وصوتها يهمس في أذنه ، ونظرتها .. وفي كل يوم يزداد شوقًا وتلهفًا .. والمكان الذي احتلته في قلبه بدأ يتسع . ولكنه كان يقاوم ويحاول أن يأسو جراح قلبه .
- و في مساء اليوم الرابع ، ذهب يسار بعد صلاة العشاء ، إلى بيت القاضي وقد تأخر ذلك المساء في بيت القاضي ، فلما خرج ، كانت السماء قد ادلهمت بالغيوم ، وأخذت ترسل رذاذًا ، فأسرع يسار إلى منزله ، خشية أن يدركه المطر . وقبل أن يصل إلى البيت بخطوات ، برز من زاوية مظلمة ، رجل متوسط القامة ، وقال بصوت هادئ : هل تسمح يا سيدي ؟
- ونظر إليه يسار ، وتبين ملامحه ، إنه خادم حسناء .. مريد .. وعاد هذا يقول مرة أخرى : إن سيدتي مريضة .. وهي تود أن تراك .
- لقد ظن أنه تخلص منها نهائيًا ، وظن أنها لن تعترض طريقه . ولكن هاهو خادمها يأتي ليذكِّره بها ، ليجذبه إليها .
- قال يسار : ويحك يا رجل . وما شأني بمرضها ؟ وسكت قليلاً ثم أضاف : ادع لها طبيبًا .
- فأجاب الخادم بلهجة صادقة : لم أجد الطبيب في بيته يا سيدي . فأرسلتني أدعوك .
- ولما نظر إليه يسار متعجبًا ومستغربًا ، أضاف الخادم يقول : ربما تريد أن تسرَّ لك بأمر يا سيدي , إنها يا سيدي في حالة يرثى لها .. إنك لو رأيتها يا سيدي ، لرق لها قلبك .. من يدري .. ربما لا تعيش إلى الغد .!
- ومسَّت قلبه العبارة الأخيرة ، فهتف مأخوذًا : لا تعيش إلى الغد ؟
- وهزَّ الخادم رأسه وهو يؤكد : الأعمار بيد الله يا سيدي . ربما تريد أن تبوح لك بسر ..
- ودق قلب يسار وهو يحرك شفتيه : سر ؟
- ولم يشعر يسار إلا كما يشعر السابح الذي ألقي في اليم ، فنال منه الجهد والتعب ، وأخذت الأمواج تتقاذفه إلى حيث تشتهي ولا يشتهي ..!!
- كانت الفوانيس تبدو باسمة مستسلمة مسرورة بما ترسل السماء من رذاذ ، وكان بعضها يبدو خائفًا وجلاً قد انخنس نوره مترقبًا لما قد تأتي به بعد ذلك ، ولاسيما في هذا الموسم من آخر الشتاء .
- عندما فتح الخادم باب الغرفة التي ترقد فيها الفتاة ، طارت إلى أنف يسار رائحة المسك ، وبدت الغرفة في تأثيث فاخر ، وفي صدرها سرير قرطبي ، يتدلى فوقه سراجان, وقد تمددت حسناء على ذلك السرير القرطبي وارتاح شعرها الكستنائي الطويل الناعم على ترائبها .
- كانت حسناء تئن وتتأوه ، وتتلوى من الألم . ولم يصدق يسار أول الأمر ، وقد تسمرت قدماه في أول الغرفة ، وظن أنه قد خدع ! ولكن تردده لم يطل .. فقد التفتت إليه بعينيها المتضرعتين ، فخفق فؤاده وانجذب إليها كالمسحور ، حتى إذا صار قريبًا منها قال بصوت اجتهد أن يكون خافتًا كأنه من دنيا الأحلام : حسناء ..
- وأجابته بعينيها ، وهي تصغي إليه ، تستمع لألحان صوته العذب ، وصدرها يعلو ويهبط .. وراح يسار يردد كالنائم : حسناء .. كيف حالك يا حسناء ؟
- وتبسمت وهي تغالب دمعة متألمة ، وقالت بصوت يشبه الأنين : لقد خشيت أن أموت ولا أسمع اسمي يتردد على لسانك ..
-فهتف كالمأخوذ : حسناء .. أنت ملء القلب يا حسناء .
- وتدحرجت الدمعة على خدها طربًا ، وقالت والابتسامة تشرق على وجهها : يسار .. أنا ..
- وهتف مرة أخرى : أنت يا حسناء .. أنت ملء القلب .
- وانتقلت على أنغام صوته ، إلى عالم مملوء بالرياحين ، فتحركت في مكانها وأرادت أن تجلس ، ولكن الألم عاودها .. فتأوَّهت ، وتلوت في فراشها وأخذت تئن أنينًا يشبه النحيب . وكان ينظر إليها ، ويحس بقلبه الغض يتلوى معها ، ويئن ، ويتمنى لو زال عنها الألم .
- كانت جدران الغرفة مصبوغة باللون الوردي الفاتح والسراجان المتدليان فوق السرير يضيفان على الغرفة بهاءً ورونقًا ، والموقد الصيني في جانب الغرفة يشيع الدفء . وعندما خفَّت عنها وطأة الألم ، نظرت إليه وقالت : إنني .. وتطلَّع إليها ، إلى شفتيها القرمزيتين ، إلى حبات العرق التي تصببت على جبينها نتيجة الحمى ، يريد أن يسمع ما تقول .. ولكن الدموع غلبتها .. قال لها بصوته المتألم : أنتِ تبكين يا حسناء .
- قالت وهي تنظر إليه متشبثة : إنني أخشى أن أموت .
- وهتف دون وعي : عافاك الله يا حسناء .
- ثم أضاف يطمئنها : إن صحتك جيدة .
- قالت ، وقد سرها أن تنظر إلى عينيه اللتين روَّعهما كلامها : هل تريدني أن أعيش ؟
- وأدارت رأسها إلى الناحية الأخرى ، وهي تبكي بصمت فلما رأى الدموع تنساب على خدِّها ، تحطمت جميع الأقفال التي أقامها على قلبه ، وفتحت الأبواب كلها دفعة واحدة .. وهتف كالمجنون : حسناء .. كفكفي دموعك يا عزيزتي .. ارحمي قلبي .
- والتفتت إليه وقالت : أنت تحبني .. أليس كذلك ؟
- وتولَّت العيون الجواب ، وسكتت لغة الكلام ، من أين للألسن أن تفهم لغة العيون ؟!
- وأرادت مرة أخرى أن تبوح له بما في نفسها .. ولكن في اللحظة التي فتحت فيها فمها لتتكلم ، دخل الخادم يحمل الدواء في قدح . هذا الدواء يفيد يا سيدتي ..
- وكانت لا تزال تنظر إلى يسار .. فأسرع يتناول الدواء من الخادم ، واعتدلت في الفراش ، وقرب يده بالقدح ، وقال : اشربي .. بسم الله. فشربته على دفعات .. ثم عادت فتمددت ، وسحبت الغطاء ، وأخذ صدرها يعلو ويهبط ، وسمعها تئن أنينًا خافتًا وتتوجع
ثم هدأ صدرها ، واستسلمت للنوم ..
- وبقي يسار ينظر إليها وكأنه في حلم .. ثم التفت إلى الخادم ، وسأله بصوت خافت : منذ متى وهي على هذه الحال ؟
-فأجاب الخادم : منذ يومين يا سيدي .
-قال يسار : وهل تناولت دواء خلال اليومين ؟
- فهز رأسه قائلاً : هذه أول مرة تتناول فيها الدواء ...
- وسكت مريد قليلاً ثم أضاف : لقد كانت تلح علي أن أدعوك .. منذ اليوم الأول لمرضها .
- ونهض يسار ، وهو يلقي عليها نظرة عطف وحنان ، وقال : سأعودها غدًا .. إن شاء الله .
- وفي اليوم التالي لم يشعر يسار إلا وهو يقف على باب بيتها في نهاية سوق الخبازين ، وكان الوقت قد قارب المغرب .. ورفع يده يهم بطرق الباب .. ولكنه توقف .. وأخذت يده تهبط بهدوء ، حتى استقرت إلى جانبه . ثم استدار عائدًا .. من حيث أتى .. ومشى خطوات .. بطيئة ، ثقيلة ، متمهلة .. ثم وقف .. لقد شعر بشيء خفي يشده إلى الخلف .. إلى بيت حسناء ، فالتفت ينظر إلى الدار
- وعاد مرة أخرى ، وقد عزم على أن يطرق الباب ولكنه قبل أن يتقدم إلى الخطوة الثالثة تذكر ..
- تذكر حديث الشيخ في آخر مرة حضر فيها إلى المسجد .. وتذكر كيف ضرب الشيخ مثلاً للسائرين إلى الله ..
- ترى أين مكانه ؟ هل هو في حال المتدحرج من الجبل ؟! وإلى أين وصل ؟ أتقف هذه المرأة في طريقه ؟
- وغضب يسار وهو يرى أنه قد أهين بجره إلى هذا الطريق .. وعزم على أن يقابل حسناء ليرى ماذا كانت تريد أن تقول له .. ولكي يصرخ في وجهها ، سيقول لها صراحة : أنا أكرهك سوف يتخلص منها بلا ريب .. وأسرع الخطى .. وطرق الباب .. وانتظر .. انتظر طويلاً .. فلم يفتح الباب !!
- وطرق مرة أخرى .. وتمنى لو سمع صوتًا .. أي صوت .. فلم يسمع إلا شقشقة العصافير على النخلة الباسقة التي تجاوزت في ارتفاعها سطح الدار .. وأراد أن يعود .. ولكن .. حسناء كانت تقف وراء الباب تنظر إليه من ثقب صغير فلما هم بالانصراف فتحت الباب .. وبدت له بشعرها الكستنائي الطويل الناعم الذي أرسلته على كتفيها ، وعينيها الكحيلتين ، وأنفها الصغير المستقيم ، ووجهها الذي عادت إليه العافية فأكسبته بهاءً ورواءً . ورحبت به بابتسامة غمرت كل أعضائها ، وبصوت كالهمس قالت : تفضل .. وقبل أن يعتذر ، رآها تترك الباب مفتوحًا ، وتتقدمه إلى غرفة الاستقبال .. ولم يشعر إلا وهو هناك ، وحسناء تشير إليه بكل رقة وتدعوه للجلوس . ثم تركت الغرفة ، وعادت بعد قليل وقد حملت إليه في صينية مستديرة قدحًا من عصير الرمان
- وأمام هذا نسي حديث الشيخ ونسي نفسه ، ونسي كل شيء وعاد لا يعيش إلا هذه اللحظة .. ولا يدري كيف امتدت يده إلى القدح الذي يحاكي لونه لون شفتيها ، وهل كان ينظر إلى القدح أم إليها ! كان ينظر إليها كالمسحور ، ولم ينتبه إلا على صوتها وهي تصبح : انتبه يا يسار .. العصير ..
- كانت يده قد مالت بالقدح ، وكاد العصير يتبدد على ثوبه ونسي يسار الغرض الذي جاء من أجله .. ولم يشعر إلا وهو يقول لها بصوت خافت متقطع : كيف حالك ؟
- قالت وهي تنظر في عينيه ، وكأنها تريد أن تنفذ إلى قلبه : الحمد لله .
- قال : أنت أحسن حالاً .. أليس كذلك ؟
- قالت : وابتسامة السرور تملأ وجهها : نعم .
- وبقي صامتًا لحظات .. والقلوب تتحدث بدقَّاتها الرتيبة .. ثم نظر إليها كالولهان وقال : لم أعد أصبر يا حسناء ..
- وأجابته وعطر أنفاسها يلامس وجهه : ولا أنا .. وكان لا يزال يحمل القدح بيده عندما قالت : لقد صنعته لك ..
- قال بنفس الصوت الخافت الحالم : وما يدريك أنني سأجيء ؟
- قالت وهي تشير بأطراف أناملها المخضبة : قلبي حدثني ..
- ورفع القدح إلى فمه .. والتقت العيون في عناق طويل .. وأدنت كرسيها وهي تقول : اشرب .. أنا صنعته .. بيدي .. ومدت يدها . . تسقيه .
- وخرج يسار ، والدنيا تميد به ، ولا يدري كيف قادته قدماه إلى هنا .. إلى بيت حسناء ..!
كان يسار في طريقه إلى البيت بعد صلاة العشاء ، وكان القمر كئيبًا حزينًا ، والهواء باردًا ، وغيوم مبعثرة في السماء ..
وهو يفكر كيف ذهب إلى بيت حسناء ؟
كانت هناك .. استقبلته .. سمع صوتها .. تحدَّثت إليه بعينيها .. بهمسها .. بقلبها .. حملت إليه كأس العصير ..
سقته بيدها .. وعندما وصل إلى البيت ، واحتوته الغرفة ، شعر بضيق شديد ، شعر كأن جدران الغرفة تشدد الحصار على قلبه المهزوم وكان يسار قد استنفد قواه ، ونال منه الجهد ، ولم يعد يحتمل مجاهدة نفسه ، فقد استطاعت حسناء أن تتغلغل إلى شغاف قلبه ..
عبثت بك كف الغرام وسقتك علقمه الزؤام
القلب ذاب من الأسى أضمته لوعـات الهيام
والدمع يجري هائما يروي تباريـح الغرام
العشق أيقظ ليله والجفن قد عاف المنام
كيف السبيل إلىالكرى والفكرفي المحبوب هام
الشوق أعقبه لضى يكوي وقلبا مستهام
نارالهوى قد أضرمت آواه من ذاك الضرام
قدسرح طرفا له بالحسن فأنبـرت السهام
أرخى لجام فؤاده للحب فاستعصىاللجام
لقد اضطرمت النار في أحشائه ، وتغيرت حاله ، وصار لا يقر له قرار ، وشعر بوحشة قاتلة ، ويأس مرير ، ولم يعرف كيف يداوي ما به .وصار يتلوَّى كما يتلوى السقيم .. ومنذ ذلك اليوم تغيَّر يسار .. لم يعد كما كان .. وانقطع عن الذهاب إلى المسجد الذي يصلي فيه صلاة الفجر ، ولم يعد يحضر حديث الشيخ ، وتلقفه حكيم بن محمود ، وحشى أذنه بخيالات وأوهام وحكايات أقل ما فيها يقسي القلب ولا يذكر بالرب وأصبحت صلاة يسار خفيفة جافة ، ليس لها جذور في القلب .. كأنها أوراق يابسة على شجرة في طريقها إلى الذبول !
وأخذ يحس في قعر قلبه بنار متأججة ، واضطراب وعدم راحة ، وحسناء .. لم يعد يدعو الله بأن يبعدها عن طريقه ، بل أخذ يتلهف لرؤيتها ، وينتظر الساعة تلو الساعة لكي يراها .. وأخذ يتصورها في حركتها ، في مشيتها ، في ضحكتها .. في كل شأن من شؤونها !!

- أقبل مريد ، وكانت تبدو عليه السرعة والاهتمام .. ودخل دون أين يتلفت إلى حسناء ، وتوجه إلى غرفته .. فأسرعت في أثره . فإذا به قد أعدَّ كل شيء ، وحزم أمتعته ولم يبق إلا أن يحملها ويذهب .
فاندهشت لهذا ، ولم تصدق عينيها ، وهتفت بجنون : إلى أين يا مريد ؟ ودون أن ينظر إليها قال : سأغادر بغداد .
وهتفت به : وتتركني يا مريد ؟ فأجاب بكل هدوء : لقد تبت يا سيدتي.. أريد أن أذهب إلى بلد لا يعرفني فيها أحد .. أريد أن أهجر الماضي بكل ما فيه من تعاسة وهوان ..
- ومضى مريد يقول : منذ التقيت بيسار لأول مرة ، وأنا أفكر في الكلمات التي قالها لي .. قال : بل أنت مريد .. المريد هو صاحب الإرادة القوية .. اتق الله واجتنب المعاصي .. وفكرت في نفسي ، وفكرت فيك ، وفكرت في يسار
- سيدتي ماذا ينفعك هذا المدعو حكيم ، إن ألاعيبه ستعود بالشر العظيم .. ولا يغرنك بعض ما ترين من نزول يسار .. فإنه لا ينزل إلا ليعلو ، ولا يدنو إلا ليبتعد ولا يهبط إلا ليحلِّق .. إنه رجل يحاسب نفسه بعد كل هفوة يرتكبها .. ولا يزال بها حتى يقيمها على الجادة البيضاء . وسكت مريد ، وكان يبدو كالبركان الذي ضاق بالنار المتأججة في صدره فأراد أن يقذفها ..
قالت حسناء : هل تستطيع أن تنتظر.. فلعلي أجيء معك . فهزَّ رأسه بالموافقة
تفكرت حسناء في مصيرها .. ويسار .. لا .. إنه لن يتزوجها .. إن فورة حبه ستنطفئ إنه كما قال مريد .. سوف يحاسب نفسه حتى يقيمها على الجادة .. وخيِّل إليها كأنها تسمع صوت حبيب بن مسعود وهو يقول : إن دون الوصول إلى يسار سبعة أبواب ، عليها سبعة أقفال من حديد لماذا تركض وراء السراب ؟ سوف تبتعد عن طريقه .. قالت بإصرار : أنا أيضًا سأتوب . وسألته قائلة : متى تريد أن نذهب ؟
فأجاب : غدًا صباحًا .. إن شاء الله .
ثم ودَّعها وهو يقول : أرجو أن تكوني على استعداد .. غدًا صباحًا .
فلوَّحت بيدها وهي تقول : سأكون في انتظارك .
أما حكيم فقد أقنع يسار بالحضور إلى مكان لهوهم في دار حكيم بعد العشاء فهناك سيتمكنن من رؤية حسناء هكذا قال حكيم
وبعد العشاء نظر حكيم إلى حبيب ، وأدنى رأسه وقال بصوت خفيض وكأنه يريد أن يبوح بسر خطير : لقد وقع صاحبك يا حبيب ؟ وقال وهو ينقر على المائدة بشكلٍ رتيب : إنه سيأتي إلينا هذه الليلة , ونظر حكيم في وجه حبيب وهو يقول : مستحيل .
وقبل أن ينتهي حبيب من كلمته ، طُرق الباب طرقًا خفيفًا فانبسطت أسارير حكيم ، ونهض مزهوًا وهو يشير إلى حبيب ويقول : هذا هو صاحبك قد حضر ولم يصدق حبيب ، وبقي معلقًا نظره بالباب ، وانفرج فم سعيد بن منصور ، وتعلقت العيون بالباب تنظر من القادم .. وهتف حكيم بسرور : مرحبا بيسار . وشهق حبيب بن مسعود ، ولم يصدق عينه ما ترى ، ونهض سعيد وقد مد يده مرحبًا .. أما حسَّان بن معيقيب ، فقد بقي في مكانه مندهشا . ودخل يسار مطرقًا خجلاً ، ولم يرفع نظره إلى أحد من الحاضرين .. وجلس دون أن يتحرك ..
ومضى حكيم يدير الحديث وانحنى على يسار يسأله عن حاله ..
فأجاب يسار بهمس : إنني في أسوأ حال .. وضحك حكيم وهو يقول : إنه الحب يا أخي ..
وأطرق يسار ، وقد التهب وجهه بحمرة الخجل .. ثم همس في أذن حكيم : إنني لم أرها منذ مدة ..
فنهض حكيم وقد استخفَّه الطرب وقال : ستراها اليوم .. إنها ستأتي كالعادة في مثل هذا اليوم .
وهنا رفع حكيم كأسًا ، قدَّمه إلى يسار وهو يقول :
- خذ .. اشرب .. فالتفت يسار وهو يقول : أنا لا أشرب الخمر ..
وضحك حكيم وهو يمد يده بالكأس ويقول : اشرب .. اشرب يا يسار .. إنها تزيل عنك الخجل ، وتذهب الهم ، وتنسيك الدنيا .
خيل إلى يسار في تلك الساعة ، أن الدنيا تدور به. والتفت يسار ينظر إلى هذا الواقف الذي يحمل كأس الخمر بيده ، ويحثه على الشرب .. اشرب .. اشرب .. خذه يا يسار . ، وتذكر في تلك اللحظة .. كان أبو أنس قد التقى به عصر هذا اليوم في السوق الكبير ، وسلَّمه رقعة مطوية قال إن الشيخ قد بعثها له , مدَّ يده يتحسس الرقعة في جيبه ، فأخرجها ، وفضَّها ، فقرأ فيها : (( إني أذكِّرك .. إن الشيطان سوف يدخل عليك من أبواب شتى ، وعلى رأسها المرأة .. فاعتصم منه بذكر الله الدائم ، وبغض نظرك ، وتلاوة القرآن . وذكر نفسك ، أن وجه المرأة الجميل هذا ، صائر إلى جيفة قذرة يقتتل عليها الدود ، وأن في الجنة من الحور العين ما تستحي منهن الشمس الطالعة )) . كانت الرقعة بخط الشيخ نفسه .. إن الشيخ لم ينسه ولم يهجره كما خيل له .. هاهو يذكِّره .. ويحذِّره .. غدًا نموت .. ونقف بين يدي الله للحساب .. سيحاسبنا على كل شيء .. على كل خطوة ، كل كلمة ، كل معصية ، وسوف يهتف كثير من الناس : رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت . ونكس رأسه ينظر في الرقعة ، وخيل إليه كأنه يسمع صوت الشيخ يحدِّثه .. يحذِّره .. وكان يسار قد وصل إلى حدٍّ لا يطيق معه الصبر .. فانفجر غاضبًا ، ونهض ثائرًا .. ورمى الكأس في وجه حكيم . وركل المائدة بقدمه .. فتحطَّم كل ما كان عليها . وانهال على حكيم ضربًا .. وأظلمت الدنيا في عينيه .. وانقلبت المائدة . ولم يقف في وجه يسار شيء . لقد قذف بكل ما في نفسه مرة واحدة .. لقد جمع الران الذي تراكم على قلبه ، وكوَّره وألقى به في وجه حكيم .. وفرح حبيب بن مسعود .. وتنهَّد حسَّان بن معيقيب وهو يجلس صامتًا مبتسمًا وقد أعجبه المشهد .. ولم يحاول سعيد بن منصور شيئًا يقلل من هياج يسار ..وخرج يسار .. وصوت الشيخ يرن في أذنيه : (( إن وجـه المرأة الجميل هذا ، صائر إلى جيفة قذرة يقتتل عليها الدود ، وإن في الجنة من الحور ما تستحي منهن الشمس الطالعة )) .
واهتزَّت النخلة طربًا وهي تشيع يسارًا .. ولمعت الفوانيس بنور جميل .. وشعر كأن الجدران ، والبيوت ، والدنيا ..
الدنيا كلها ، ترحب به .. أين كان كل هذه المدة ؟ ومضى في طريقه إلى المسجد .. إنه يريد أن يرى الشيخ ..
أن يجلس بين يديه فيشكره .. وكان الطريق طويلاً ، والمنعطفات كثيرة ، والبيوت تقف على الجانبين .. ولم يسمع أصوات المسلِّمين عليه .. ولا الفقير الذي مد يده يسأله الصدقة .. ولا أحدًا من الناس .. كان يريد أن يصل إلى المسجد .. أن يعود إلى سابق عهده .. أن يعود إلى الله بقلب تائب خاشع منيب .. لم يكن يظن أنه يستطيع أن يفارق أحدًا من أصحابه .. وعبدالله بن الشيخ إبراهيم ، الفتي الطيب .. اللطيف الوديع ، الذي ذهب يدرس الطب .. والذي كان يراه يذرع ساحة المسجد ذهابًا وإيابًا وهو يحاول حفظ القرآن .. وأبو أنس .. وخلاصاته التي لا تنتهي ، ودعاباته ، وروحه المرحة ، ومشاريعه الكثيرة , وأبو الحسن .... وسمته الهادئ اللطيف ، ودروسه الفقهية التي تعلمها في المدرسة .. وصاحبه أحمد الذي لم يكن يفارقه في ذهابه , وغيرهم .. وغيرهم .. كانوا يحيطون به .. يحبونه . بل يراه بعضهم قدوة له .. ويتمنى لو بلغ مبلغه ! أيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟!!
ومضى يسار يريد أن يصل إلى المسجد.. وتمنَّى لو استطاع أن يطير .. أن يصل إلى الشيخ .. وتذكر العم عثمان ( أبو البحر ) .. هذا الذي تجاوز المائة من العمر .. والذي وقف مرة يخاطبه ويقول : ليتني نشأت في طاعة الله كما نشأت يا يسار .. فهنيئًا لك .. ثم رفع المنديل يسمح دمعة ترقرقت بها عينه وقال : لقد طال أجلي وقلَّ عملي .. إنه لا ينسى هذا .. ولا ينسى والده ، وكان يتمتم بعد صلاة الفجر فيقول : الحمد لله الذي رزقني ولدًا صالحًا. وأمه الحزينة المسكينة .. التي كانت تنظر إليه وتبكي بصمت ، والتي سمعها قبل أيام تقول لأبيه بصوت خافت : لا أدري ما الذي جرى ليسار .. كلمه يا رجل .. كلمه لعله يحدثك . وأخته الصغيرة سناء .. لم يعد يداعبها .. حتى شكت لأمها فقالت : لماذا لا يكلمني يسار ؟ هل هو مريض ؟ والشيخ .. لقد كان يحبه كثيرًا ، كان لا يمل سماع حديثه . كان يرغب بالمزيد المزيد .. وهل لدى الشيخ إلا كل نافع مفيد ؟ كان يتحدث وكأنه يغرف من بحر ليس له ساحل .. إنه في طريقه إليه .. لم يكن يظن انه يستطيع أن يبتعد عنهم .. كيف ابتعد كل هذه المدة ؟ لقد كان في رحلة خطيرة .. المحظوظ فيها من يعود منها سالمًا .. لا له ولا عليه .. إنه يتذكر تلك الأيام ، وتلك اللحظات . لقد كانت ملء السمع وملء البصر .. ورأى المسجد أمامه .. ببنائه القديم ، وجدرانه التي يخيل للناظر إليها أنها توشك على التداعي ، ومئذنته المتواضعة ..
وتقدم بخطوات بطيئة مترددة .. لقد شعر كأن حجارة المسجد تنظر إليه بعتاب .. وكأن جدرانه التي تتطلع إليه بصمت قد فرحت بقدومه .. إن هذا المسجد يعرفه .. إن كل حجارة فيه تعرفه .. كم مرة حضر إلى المسجد قبل أن يحضر أي إنسان .. كم مرة قضى الساعات الطوال .. قائمًا مصليًا ، أو قارئًا للقرآن .. أو ذاكرًا لله تعالى .. لقد كان مكانه في الصف الأول من صلاة الجماعة .. ومع التكبيرة الأولى .. وتعدى باب المسجد وهو يقدم رجله اليمنى ويقول : اللهم افتح لي أبواب رحمتك .. إن أبواب رحمة الله مفتوحة دائمًا ، لم تغلق في ساعة من ليل أو نهار .. أين التائبون .. الآيبون .. النادمون .. كان المصلون قد خرجوا لكن لعل الشيخ تخلَّف بعد صلاة العشاء .. وصدق ظنه ..
كان الشيخ جالسا ، مستندًا بظهره إلى الدعامة الوسطى من المسجد ، وكان ينظر إلى يسار ، بعين الوالد الرفيق الرحيم .. وتقدم يسار .. خجلاً مترددًا كأنه يحمل أوزار الدنيا .. واقترب منه .. فسلَّم عليه .. وشعر بيده توضع على كتفه .. وسمع صوته المضمخ بعبير القرآن وهو يتلو :
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله . إن الله يغفر الذنوب جميعًا . إنه هو الغفور الرحيم .
وهشَّ قلبه لهذه الآية.. وشعر كأنه يسمعها لأول مرة.. وأراد يسار أن يقول شيئًا أن يتكلم .. أن يقص على الشيخ ما جرى له .. ولكنه لم يستطع .. لقد تحوَّلت كلماته إلى دموع . وعاد صوت الشيخ ، الهادئ الوقور يتلو من القرآن الكريم .. ما وجد فيه يسار ، شفاء ، وأملاً ، ورحمة ، ورغبة في العودة إلى الله : وإني لغفَّارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى .
 
Toggle Footer